ابن كثير
204
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
الرجل الذي لا يحسن الكتابة . قال أبو العالية والربيع وقتادة وإبراهيم النخعي وغير واحد : وهو ظاهر في قوله تعالى لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ أي لا يدرون ما فيه . ولهذا في صفات النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : أنه الأمي لأنه لم يكن يحسن الكتابة ، كما قال تعالى وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ [ العنكبوت : 48 ] وقال عليه الصلاة السلام « إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا وهكذا » الحديث ، أي لا نفتقر في عباداتنا ومواقيتها إلى كتاب ولا حساب ، وقال تبارك وتعالى : هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ [ الجمعة : 2 ] وقال ابن جرير « 1 » : نسبت العرب من لا يكتب ولا يخط من الرجال إلى أمه من جهله بالكتاب دون أبيه . قال : وقد روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما : قول خلاف هذا ، وهو ما حدثنا به أبو كريب حدثنا عثمان بن سعيد ، عن بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، في قوله تعالى : وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ قال : الأميون قوم لم يصدقوا رسولا أرسله اللّه ، ولا كتابا أنزله اللّه ، فكتبوا كتابا بأيديهم ، ثم قالوا لقوم سفلة جهال : هذا من عند اللّه ، وقال : قد أخبر أنهم يكتبون بأيديهم ثم سماهم أميين لجحودهم كتب اللّه ورسله ، ثم قال ابن جرير : وهذا التأويل تأويل على خلاف ما يعرف من كلام العرب المستفيض بينهم ، وذلك أن الأمي عند العرب الذي لا يكتب . قلت : ثم في صحة هذا عن ابن عباس بهذا الإسناد نظر ، واللّه أعلم . وقوله تعالى : إِلَّا أَمانِيَّ قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس : إلا أماني الأحاديث . وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى إِلَّا أَمانِيَّ يقول : إلا قولا يقولون بأفواههم كذبا . وقال مجاهد إلا كذبا : وقال سنيد عن حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ قال : أناس من اليهود ، لم يكونوا يعلمون من الكتاب شيئا ، وكانوا يتكلمون بالظن بغير ما في كتاب اللّه ويقولون هو من الكتاب ، أماني يتمنونها . وعن الحسن البصري نحوه . وقال أبو العالية والربيع وقتادة : إلا أماني يتمنون على اللّه ما ليس لهم . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : إلا أماني ، قال : تمنوا فقالوا : نحن من أهل الكتاب وليسوا منهم . قال ابن جرير : والأشبه بالصواب قول الضحاك عن ابن عباس . وقال « 2 » مجاهد : إن الأميين الذين وصفهم اللّه تعالى أنهم لا يفقهون من الكتاب الذي أنزله اللّه تعالى على موسى شيئا ولكنهم يتخرصون الكذب ويتخرصون الأباطيل كذبا وزورا ، والتمني في هذا الموضع هو تخلق الكذب وتخرصه ، ومنه الخبر المروي عن عثمان بن عفان رضي اللّه عنه : ما تغنيت ولا تمنيت ، يعني ما تخرصت الباطل ولا اختلقت الكذب . وقيل المراد بقوله إلا أماني بالتشديد والتخفيف أيضا : أي إلا تلاوة ، فعلى هذا يكون استثناء منقطعا ، واستشهدوا على ذلك بقوله تعالى : إِلَّا إِذا تَمَنَّى - أي تلا - أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [ الحج : 52 ] ، وقال كعب بن مالك الشاعر :
--> ( 1 ) الطبري 1 / 417 . ( 2 ) في الطبري : « وقول مجاهد » . والكلام ما زال للطبري بصدد اختياره .